هشام جعيط

145

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

حيّز يتنافر وتلاقي دابتين مثقلتين بالأحمال . وقد اعتمد عمر هذا العرض بالنسبة للسكك الاعتيادية في البصرة والكوفة ، ثم في بغداد بعد ذلك ، بينما كان عرض الشوارع يبلغ 20 ذراعا ( ما يقرب من 10 أمتار ) فكانت تفصل كتل الدور وعمقها 30 مترا . . . وقد ظهر اهتمام تنظيمي مرموق ، ونظام صارم ، وتصميم موضوع بحزم ، حتى في عدة منشآت مدنية إسلامية في بدايتها » « 1 » . ثم أضاف أن « اختلاف المخطط في المدن الإسلامية هو في أكثر الحالات ، واقع مكتسب وليس واقعا تكوينيا » ، وأن الامر لا يتعلق « بنقص جذري » ، بل بالأحرى بتطور لاحق يمكن أن يعزى إلى فقدان التنظيم البلدي فقط . هذه حجة منقوصة لأنه لم يمتنع على الدولة تحمل المهام البلدية المهمة ، كما فعل عمر بالنسبة للكوفة ، والمنصور بالنسبة لبغداد ، كما أنها حجة خادعة دافع عنها الاستشراق القديم مدة طويلة ، وقد صارت محل اتهام في العصر الحديث ، لأنها تستند إلى مثالية المدينة اليونانية ومدينة العهد الوسيط وتعرّف المدينة الاسلامية لا بما هي ، بل بما ليس فيها . ومع أن روبير برونشفيك درس تطور التمصير الاسلامي من خلال مصادر الفقه ، فقد كان شعوره حادا بالعناصر الحضارية التي ينبغي اعتبارها لشرح هذا المظهر اللافت للنظر في المدينة الاسلامية : تصور الأسرة المنطوية على نفسها « 2 » ، ونوع من التسامح القريب من الاهمال تجاه المبادرات الفردية « 3 » . الشيء الذي جعل الأولوية للبيت على قارعة الطريق العامة التي تواصل قضمها بسبب امتداد البناءات ، في حين أن الخرابات والأماكن المفتوحة كل الفتح كانت متراكمة فضلا عن ذلك . يقول « 4 » : « إن الطريق العمومية سيئة الحماية ، والتسامح يتجه إلى من ينمي الملكية المبنية ، ولو كان ذلك على حساب الساحات والسكك » . هذه ملاحظ صحيحة قطعا ، لكن ما هو سبب عجز السلطة عن العناية بالطرق والمحافظة عليها ، بينما كان هذا الشاغل قائما في القرنين الأول والثاني من الهجرة ؟ لعل الاندفاعات العميقة هي التي طغت على كل إرادة تنظيمية لدى السلطة التي تنشيء وتؤسس ، ثم تفشل في الصيانة . كانت اندفاعات سكانية ، وتصاعدات لنزعات ثقافية ما زالت حية ( النزعة البدوية والشرقية وغيرهما ) ، وتنظيم الحضارة الاسلامية ذاتها في إطار المدينة أو نشوؤها البطيء داخل بعض المدن الرئيسة بالذات . لا يوجد أي شك في وجوب طرح قضية الترابطات العميقة الخفية والتطورية أيضا ، بين نمط الحياة كما تكون بفضل سلسلة من الخيارات والالغاءات ، وبين الشكل المدني ، كما يتقولب حول أقوى متضمناته .

--> ( 1 ) op . cit . , p . 123 . ( 2 ) op . cit . , p . 140 . ( 3 ) Ibid . , pp . 132 - 134 . ( 4 ) Ibid . , p . 154 .